الرئيسية » قضية الأسبوع » دمنات : عاشوراء، بالأمس بين الإحتفالية والدلالات التاريخية والدينية

دمنات : عاشوراء، بالأمس بين الإحتفالية والدلالات التاريخية والدينية

http://www.benimellal-online.com/files/enfants_juifs_580160243.jpg

دأبنا في طفولتنا على انتظار عاشوراء بشغف كبير وكان ما يميز عاشوراء بدمنات كونها احتفال طفولي محض ، بعيد كل البعد عما نسمعه اليوم من صراعات مذهبية وطائفية .

تنطلق الاستعدادات مباشرة بعد عيد الأضحى حيث كانت تعمل أمهاتنا على صنع تشويين / القديد من أضلع كبش الأضحية وتكردلاسين / الكرداس من معدته وأمعائه و بعد تمليحها جيدا و تعطيرها بالتوابل تحمل الى أسطح المنازل لتجف تحت أشعة الشمس في انتظار اليوم الموعود لتصنع بها قصعة من الكسكس تدعو لها الأهل والجيران والأصدقاء .

و مع حلول شهر محرم تنشط تجارة الفواكه الجافة الفاكيت من لوز وكركاع/ الجوز وزبيب/ العنب الجاف وحمص و تمر وشريحة و حلوى القريشلات بالإضافة الى أدوات الايقاع الشعبية مثل الطعارج جمع طعريجة إيكولان وهو جمع أكوال IGOULAN / AGWAL وتكنزوين مفردها تاكنزة TAGNZA TEGANZIWIN وهي الدفوف من مختلف الأحجام الخ الخ ..

ووتعتب تجارة الفاكيتواللعب بمناسبة عاشوراء موسمية لا يتعدى عمرها العشرين يوم على اكبر تقدير . بالإضافة طبعا إلى لعب الأطفال البلاستيكية كالمسدسات بالنسبة للذكور والتعاريج والدفوف والدمى بالنسبة للإناث .

تبتديء الاحتفالات على إيقاع التعاريج المحلية الصنع حيث كانت تغرمين مشهورة بتعاريجها المصنوعة من الطين المحلي و جلد الغنم والتي تخلو من الزخرفة ويقدم على الأطفال لرخص ثمنها ولمتانتها ، والتعاريج المزركشة و الدفوف المستوردة من مراكش أو تلك المصنوعة بدمنات على أيدي المعلم عزي بهاأطال الله في عمره وهو حرفي مختص في صنع هذه الآلات الإيقاعية من الخشب و جلود الأضاحي .

ويوم تاسع عاشوراء ليلا يحمى وطيس الاحتفال وسط النساء والفتيات و يبدع الفتيان في إيقاد نيران تشعالت في جل الأحياء ، تستمر متقدة إلى أوقات متأخرة من الليل ويستعمل الأطفال في تأجيجها كل ما يسقط بين أيديهم من أخشاب وعجلات مطاطية وغيرها ويتنافسون بالقفز فوق لهيب تشعالت تحت إيقاعات الأهازيج الشعبية باعتبار أن ذلك يزيل الشر ويبعده.

ويوم عاشر محرم يوم عاشوراء ويسمى كذلك آس ن و امان / يوم الماء والبعض يطلق عليه يوم زمزم يصبح الجميع بدون استثناء هدفا للرش بالمياه، ويصعب على أي كان ذكرا كان او أنثى صغيرا أو كبيرا المرور من أي زقاق دون ان يتعرض لدوش بارد من طرف الفتية المتربصين بالمارة والمسلحين بمختلف الأواني المملوءة ماء أو من فوق الأسطح أو من نوافذ المنازل ،حيث تتحول إلى مطاردات في الدروب والأزقة، قد تنتهي بمشاجرات ولا يسلم المرء من قبضتهم إلا أذا سلمهم تاعاشورت اما الرافضون فيتناوب الفتية على صب الماء عليهم من من قمة رؤوسهم إلى أخمص اقدامهم وهذا ما يتسبب في كثير من الأحيان في صدامات تعكر صفو الاحتفال بهذا اليوم وكانت الفتيات الهدف المفضل للفتية في هذه المناسبة . و في نفس اليوم كان الأطفال اليهود يتراشقون بالماء وبنفس الطريقة داخل ملاحهم .( أنظر الصورة رقم 02)

لم يكن الاحتفال بعاشوراء في دمنات مقتصرا على الصغار فقط فالكبار كذلك نساء ورجالا يستمتعون بهذا اليوم فقد كانت النساء تستدعين الفتيات الى ابواب المنازل والى صحنها ويشاركنهن في الضرب على التعاريج والبنادر والدعدوع / وهي تعريحة من الحجم الكبير وفي ترديد الاهازيج من قبيل :

هذا عاشور ماعلينا الحكام الالا عيد المولود تيحكمو الرجال ألالا … ” في إشارة إلى تخلص الاناث من سلطة الرجال إلى حين حلول عيد المولد النبوي الشريف حيث يستعيد الرجال سلطتهم .

اما الرجال فموعدهم كل ليلة طيلة ايام عاشوراء مع حلقات الدقة الدمناتية حيث تبتديء السهرة غالبا بعد صلاة العشاء وتستمر إلى اوقات متأخرة من الليل يستمع خلالها المتفرجون من جميع الاعمار والطبقات بايقاعات اكولان جمع اكوال و ودقات الطبل والاشعار الرائعة التي ترافق الايقاعات المتصاعدة للدقة الدمناتية و ليسمح لي القاريء الكريم ان اغتنم هذه هذه المناسبة لأترحم على ارواح رواد الدقة الدمناتية الذين اتذكر منهم : المرحوم الحاج العربي مزكور والمرحوم الحاج احمد التركاوي ( أغلال) والمرحوم عزي منصور وعزي عبد القادر من ايت اكنون والمرحوم سيديمو التزداق من افشتالن والمرحوم عزي محمد اسكور الفرارني والمرحوم عزي التهامي نايت العربي ( الداب) والمرحوم عزي بوبكر نايت ايمون والمرحوم مشقاف ، المرحوم عزي مامي ، المرحوم اوبركة المرحوم عزي عباس زبوج من اغير والمرحوم الحاج احمد اكس اكشوض (مورو) والمرحوم الحاج بابا والمرحوم عبد المالك الباروكي وآخرون لا يتسع المجال لذكرهم جميعا جلهم انتقلوا إلى دار البقاء ودعواتنا لهم في هذه المناسبة بالرحمة و المغفرة

( انظر الصورة رم 01)

ولم يكن الامر يقتصر على الدقة الدمناتية وحسب بل كانت المنافسة شرسة بين الدقة الدمناتية ودقة تغرمين التي يقودها معلمو وصناع الخزف التي كانت مزدهرة انذاك بتغرمين ومع فرقة الدقة من تيزغت التي يتكون اغلب أعضائها من عمال غار الملح وتشتد هذه المنافسة بتنوع الإيقاعات والإشعار مما يزيد سمر ليالي عاشوراء متعة وفرجة بكل احياء المدينة حيت لاتسمع الا نغمات الدقة و(وتشعالت ) ورقصات الغوم / الجمل الذي يصنع الشباب هيكله العظمي من القصب او الخشب المكسو بأثواب الخيش / الاكياس المستعملة كما يتخذ جمجمة الحمار كرأس للجمل ( عندما يموت أي حمار وتلقى جتثه خارج المدينة كان الاطفال يحددون مكانه للرجوع اليه بعد ان يكون قد تحلل ولم تبق منه الا جمجمته.)

وفي نفس المساء يتجول الأطفال من منزل لآخر مرتدين الاقنعة والأزياء التنكرية يطلبون الحلوى والفواكه الجافة أو حتى النقود وذلك بإلقاء السؤال تاعشاورت على من يفتح الباب. وتعتبر تاعاشورت من أهم التقاليد في عاشوراء. حيث يقوم كل من يسكن في حي فيه الكثير من الأولاد بشراء الحلوى والفواكه الجافة وتحضيرها لحين قدوم الأولاد في العيد الذين يرددون تحت ايقاع تعاريجهم :

قديدة قديدة تقددين نعاشور صفتونا او صفتونا أو حمات الكايلة علينا….انزورو سيدي انبنا او نشاع الله ….” ويقوم السكان باعطاء الاطفال التين الجاف والتمر واحينا النقوذ و اذا لم يعط الاطفال أي شيء فانهم يكررون اللازمة التالية الذي تدل على شح اهل البيت :

هان اغرضا كوكدور اريشتا تاخميرت Han aghrda gou gdour arichta takhmirt

وهكذا ينتقل الأطفال من بيت الى بيت طالبينتاعاشورتفيحصلون في الأخير على ما تيسر من التين والتمر والحلوى والنقوذ يتقاسمونها فيما بينهم .
وفي الصباح تذهب النساء و الأطفال الى زيارة قبور اولياء الصالحين وما أكثرهم بدمنات و قبور ذويهم للترحم عليهم والتصدق ببعض النقوذ والخبز وفاكهة التين والتمر وتعرف ابواب المقابر حشودا من المحتاجين والأطفال طلبا لتعاشورت / الزكاة . ومن الأولياء الصالحين الاكثر زيارة في هذا اليوم الولي الصالح سيدي ناصر اومهاصر وهذا الولي بين قوسين هو مجرد صخرة كبيرة في اسفل مغارة امي نفري وسط مجرى نهر مهاصر تنبع من تحتها عين تستحم فيها النساء وخصوصا العوانس منهن متوسلات لإزالة العكس والثقاف الذي يلازمهن و يحول دون زواجهن ، وللإشارة فإن هذا الطقس مشترك بين الدمناتيات المسلمات واليهوديات إبان تواجد الطائفة اليهودية بدمنات .

وفي هذا اليوم كذلك تغلب جل المتاجر ابوابها ويتفرغ التجار إلى التصدق بالزكاة على الفقراء والمحتاجين الذين يغزون دمنات في هذه الأيام قادمين إليها في الغالب الأعم من المناطق الجبلية المحيطة بالإضافة طبعا إلى فقراء دمنات ومحتاجيها وما أكثرهم ، وتشهد ابواب منازل المرحوم الحاج أسوس والحاج سيدي حسن الضابط وابنه سيدي عمر والمرحوم الحاج بنزيان والمرحوم الحاج عمر بن علي اوشافعي والمرحوم الحاج بابا وابنائه والمرحوم الحاج أحماد أشكايري تجمهر اعداد غفيرة من طالبي الزكاة واعتصام بعضهم اياما وليالي ومنهم من طال به المقام بدمنات واستقر بها نهائيا واحترف التسول (اعتذر هنا عن عدم ذكر الأسماء دفعا للحرج ).

وبعيدا عن الدلالات الدينية والأبعاد التاريخية، فإن ما كان يميز عاشوراء بدمنات هو كونها مناسبة يحتفل بها الأطفال والبالغون والذكور والاناث على السواء لانها تدخل البهجة والسرور إلى القلوب ويظل الاحتفال بها مميزا بمظاهرها الاجتماعية الموروثة عن الآباء الاجداد و ترتبط بالعادات وبالخصوصية المحلية، أكثر مما تحيل على أحداث تاريخية إسلامية.

الصورة رقم 01: رواد الدقة الدمناتية

الصورة رقم02: أطفال وفتية يهود يتراشقون بالمياه يوم عاشوراء وسط الملاح بدمنات


في أربعينيات القرن الماضي


عدد القراء: 1٬470 | قراء اليوم: 1

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*