الرئيسية » كتاب الموقع » الإخبار بالغيب و إعجاز القرآن الكريم

الإخبار بالغيب و إعجاز القرآن الكريم

بقلم الأستاذة: مريم محمد حسينة

باحثة مغربية في القضايا التربوية والإسلامية

الإخبار بالغيب وإعجاز القرآن الكريم

نزل القرآن الكريم على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة ملك الوحي جبريل عليه السلام بكيفية متدرجة لم تكن مألوفة في العصور السابقة أو مع الأديان السالفة… ولاشك أن الإسلام يبقى زبدة العقائد السماوية وعصارتها. ولم يبق مجال حضاري أو إنساني إلا قال فيه الإسلام كلمته، ورأى فيه رأيه، ووجه في شأنه التوجيهات السديدة التي لن يزيغ عنها إلا هالك.

غير أن الماديات طغت على إنسان القرن الحادي والعشرين، فلم يعد يؤمن سوى بالعلم والعقل كإلاهين منزهين عن الزيغ والخطأ، ومع الإشارة إلى أن بعض الأشخاص حاربوا الدين ووصفوه بأفيون  الشعوب، ونحن نتفق معهم لو اقتصر الأمر على الكنيسة التي كانت تبيع صكوك الغفران للتوسط بين الله وعباده ونؤيدهم حينما يتعلق الأمر بالتوراة التي صورت الإله في صورة إنسان صرعه النبي موسى، أو لحظة نبشها في تاريخ البشرية فارتكبت زلة لا تغتفر فهي تحدد عمر الإنسان على سطح الأرض في 7000 سنة فقط!!

لكن حينما يجري أي عاقل مفكر البحث عن الإسلام وأدبياته، فإنه من المحال أن يعثر على تفاهات أو شطحات مؤذية لواضعها قبل إساءتها للدين الذي يتبنى أدبياته، كقولهم: إن الله هو ثالث ثلاثة، وهل يعقل أنه يقبل علم الرياضيات بالمعادلة الآتية 3=1؟!!

والعلم والمنطق يشهدان: “لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا” (سورة الحج، الآية 22) كما أن العقل يعانق الآية السابقة مناقحا بها عن الحقيقة، بل ويضيف إليها “إذن لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض” (سورة المؤمنون، الآية 92).

لكن الإلحاد تطور حسب منطق العصر، وهكذا انبهر الناس، وافتتن بعض الجهال بالمخترعات العلمية والتكنولوجية الحديثة، فتحولوا إلى أصنام بلا روح ولا عقل، تتشبث بالمادة وتطمح إلى إدراك الله ماديا عبر الحواس القاصرة أصلا… وهذا هو المنبع الكبير للأفكار الإلحادية التي تجادل في البعث، وتفكر في الحياة بعد الموت… فالملحد هنا يعتقد أن العين تبصر جميع الألوان، وتلتقط أدق المخلوقات، والسبب أنه لم يتأمل قوله تعالى: “فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون” (الحاقة، الآية 38 و39) فحاسة الرؤية لا تدرك ما يدور في المجال الإبصاري الممتد ما تحت الأشعة الحمراء، أو ما فوق الأشعة البنفسجية. والكائنات الحية التي لا ترى إلا بالمجهر الإلكتروني لا يعلم عددها إلا الله كما أن العين المجردة قاصرة عن رصد بعض التفاصيل عن الكون العظيم لولا التلسكوبات المتطورة… وهذه النقطة بالضبط هي التي أفاضت الكأس: فالمادي العلماني يرفض فكرة “علم الإنسان بالغيب”، وأن كل ما يخرج عن المادة يبقى مجرد تخمينات وأساطير وخرافات ليس إلا… والمتطرف الذي يعبد الله عن جهل يدعى أن الخوض في الغيب هو نوع من الشرك بالله، مستندا إلى قوله تعالى في سورة النمل “قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله”، ناسيا أن هذه الآية محدودة على الغيب المطلق وليس النسبي الذي قد يطول العلماء من عباد الله..

في هذا المقال، سنحاول إن شاء الله، أن نجادل بكيفية صريحة وضمنية وبالتي هي أحسن كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، في موضوع يشهد بعظمة الله سبحانه وقدرته الجبارة في تدبير شؤون هذا الكون الفسيح، ألا وهو “الغيب”، والذي لا يمسك مفاتحه إلا الله، مصداقا لقوله عز من قائل: “وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو” (سورة الأنعام، الآية 60).

لقد ارتفعت أصوات في العالم كله تنادي بإسقاط النقل والتمكين للعقل، مع ما يعني ذاك من إنكار للوحي على الإطلاق، ونفي للنبوة، مع اعتبار الأنبياء مجرد أشخاص مصابين بالهوس والاكتئاب والانفصام في الشخصية. ثم التوقف عند كل من القرآن الكريم، الأناجيل والتوراة ونعتها بأنها تعكس حوارا داخليا بين “الهو والأنا” لدى محمد وعيسى وموسى على التوالي… بل من المتشائمين الحاقدين على الأديان من وجدناهم يمارسون سياسة الهروب إلى الأمام لخلط الأوراق حين لم يترددوا في اعتقادهم أن “الإنسان هو خالق الله”، أو “الوحي مجرد صنيعة للعقل البشري”.

والمشكل العويص يكم في هجوم :أبناء الإسلام” على دينهم ونبيهم دون علم ولا هدى ولا كتاب منير. لو جربوا النقد البناء لراجعوا الكثير من حساباتهم، ولو حاسبوا أنفسهم، لغيروا ما بها، ولو غيروا ما بها لتغيرت نظرتهم إلى العالم، ولو أفلحوا في ذلك لتحولوا إلى سيوف الله، ينشرون رسالاته، ويقنعون أعداء الحق على غرار سيف الله المسلول خالد بن الوليد، الذي كان قويا في الجاهلية والاسلام، ففتح الله على يده ونصر.

يقول الأستاذ يوسف القرضاوي: بأن التأويل السيء والفهم الرديء من شأن الجاهلين بهذا الدين  لم يشربوا روحه، ولم ينفذوا ببصائرهم إلى حقائقه، فليس لهم من الرسوخ في العلم، ولا من التجرد للحق ما يعصمهم من الزيغ والانحراف في الفهم، والإعراض عن المتحكمات، واتباع المتشابهات، ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويلها تبعا للهوى المضل عن سبيل الله”1.

فهذا الإسلام مظلوم من طرف أبنائه، وظلم ذوي القربى، أشد مضاضة على النفس البشرية، فما بالك على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذاق المرارة والتنكيل، وعانى من الإشاعة المغرضة التي أطلقها في كل زمان ومكان المناوئون للحق، الطامعون في الجاه والمال الحرام، وليتذكر أبناء ديار المسلمين من هؤلاء أن الله وعدهم وعيدا لا مرد له “فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا، يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا”(سورة النساء 41 و42). لهؤلاء جميعا نتحدث حديثا عقليا متبعين منهجية علمية في الإقناع والاقتناع، منوهين باعتماد الذكر الحكيم للرد العقلي على المشككين في سلامة هذا الدين في جميع الأزمنة وكل الأمكنة حيث حسم ربنا الذي تعهد بحفظ القرآن “إنا نحن نزلنا  الذكر وإنا له لحافظون” (سورة الحجر، الآية 9) في تحدي المجرمين الذين “كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون” (سورة المطففين، الآية 29 و30) بقوله سبحانه “وإن كنتم في ريب مما انزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين” (سورة البقرة، الآية 22 و23).

ولن تفعلوا، تعبير صريح يرفع التحدي المستقبلي، لأن المشركين والمرتدين حاولوا النسج على منوال بعض السور، ففشلوا. ذلك أن القرآن هو العلم المطلق، والبشر ما لهم إلا علم نسبي “وما أوتيتم من العلم إلا قليلا” (سورة الإسراء، الآية 85). فكان يكفي أن يأتي كذاب بسورة تستهوي القلوب وتثير العقول ويدعو قومه وأهل بلدته “مدعيا النبوة مستنسخا رسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، لتبدو للعالم تفاهة هذا الدين. ولكن هيهات، هيهات: فإذا كان من الصعب التحدث في برنامج تلفزي أو إذاعي لمدة ساعة زمنية فقط دون ارتكاب أخطاء وهفوات، فكيف بكتاب عظيم يوجه بني آدم إلى سعادتهم الدنيوية والأخروية دون أن يسلبهم حرياتهم وإراداتهم وقدراتهم، فهو لم يفرض شيئا بل استنكر التواكل وطالب بالسعي والتوكل مع الأخذ بالأسباب “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون” (سورة التوبة، الآية 106).

إذن هذا الكتاب لو كان من عند غير اله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، والاختلاف الملموس الذي كنا سنسجله نحن معشر بشر القرن العشرين، هو فشل نبوءات القرآن لأنها لن تصمد طيلة 1420 سنة أو أكثر ولصدقت ادعاءات اللائكيين القدامى والجدد “وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون” (سورة الفرقان، الآية 4).

“وقالوا أساطير الأولين، اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا” (سورة الفرقان، الآية 5).

ولقد تبين بالدليل العلمي والفكر المنطقي والتحليل النفسي، أن الكلام الوارد بالمصحف الشريف ليس لإنس ولا جان لأنه رفع حجب الغيب وسما بالعقل في دنيا العلم، وكشف عن أحداث الماضي وقدم وقائع صادقة عاشها كفار قريش، كمحاولة أبرهة الحبشي هدم الكعبة المشرفة، وكتبرئته لعائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك؛ وإزاحة اللثام عن مكر المنافقين الذين يأتون إلى النبي ليشهدوا أنه رسول الله بألسنتهم وليس بقلوبهم “والله يشهد إن المنافقين لكاذبون” (سورة المنافقون، الآية 1).

وسنحاول الآن الاستعانة بما كشف عنه القرآن من بعض البينات العلمية الخاصة بالغيب لتطمئن قلوب المؤمنين “الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون” (سورة الأنفال، الآية 2)، الذين وصفهم سبحانه بأنهم هم “الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون” (سورة البقرة، الآية 2).

والإيمان بالغيب معناه “الإيمان بالله وكتبه ورسله والملائكة، والدار الآخرة، وكذلك النظر نظرة اليقين إلى ما جاء به القرآن الكريم كالحديث عن الجن، وعصا موسى وإحياء عيسى للموتى والإسراء والمعراج، وطهارة مريم ورفض يوسف لمراودة امرأة العزيز واستسلام إسماعيل لأبيه عن طواعية وهو يرى الموت قاب قوسين أو أدنى منه، حتى لا يدخل المسلم في دائرة من قال فيهم ربنا “أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض…” (سورة البقرة).

لقد مزق القرآن حجاب الزمن الماضي، كما قال الشيخ المرحوم محمد متولي الشعراوي في “المنتخب من تفسير القرآن الكريم، الجزء الأول”2. وكان هذا التمزيق في أكثر من مناسبة ليخبر محمدا عليه السلام بالأخبار الصحيحة عمن سبقوه من الرسل والأنبياء ويصحح ما حرف من الكتب السماوية التي أنزلها الله وحرفها الأحبار والرهبان، وقد استدل العلامة الشعراوي على قوله ببعض الآيات كقوله تعالى في مريم وموسى وعيسى: “وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم” (سورة آل عمران، الآية 44)؛ “وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا” (سورة القصص، الآية 45). “وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر” (سورة القصص، الآية 44) “وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك” (سورة القصص، الآية 46)؛ “ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون” (سورة الكهف). ومن جهة ثانية مزق القرآن الكريم حجاب النفس فأخرج ما في الصدور وعرى المنافقين أمام مجتمعهم وفضح كذبهم تماما كما جاء في سورتي التوبة والمجادلة “ويحلفون على الكذب وهم يعلمون” (سورة المجادلة، الآية 14) وفي قوله “يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين” (سورة التوبة 2، الآية 97)، وكقوله تعالى “وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحييك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير” (سورة المجادلة، الآية 8)3.

وهذه قمة التحدي والإعجاز في اعتقادنا، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يملك التحكم في مفاجآت المستقبل فكان يكفي أن يقول واحد من هؤلاء الناس أنني أشهد ألا إله إلا الله، وأعترف بمحمد رسولا وخاتما للمرسلين، أو أنني اتوب إلى الله توبة عبد نصوح، لتسقط الآية، ويخسر القرآن –لو كان من عند غير الله- خسرانا مبينا. ولكنهم لم يفعلوا لأن حكم الله لا مرد له.

ونحن لابد أن نسوق مثالا آخر يعكس وجها آخر من وجوه التحدي والإعجاز. ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما نزلت الآية الكريمة “وأنذر عشيرتك الأقربين” (سورة الشعراء، الآية 213) سارع إلى تنبيه أعمامه وأهليه لكي لا يغتروا بقرابتهم له، ويعتقدوا أن ابنهم رسول، ولذلك فلا حرج عليهم. هذا التنبيه لم يكن ليروق لعمه أبي لهب الذي انسحب قائلا لرسول الله: “تبا لك”. فأنزل الله “تبت يدا أبي لهب وتب، ما اغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب…” (سورة المسد، الآيات 1-4).

وكان يكفي أن يذهب أبو لهب لإشهار إسلامه نفاقا أمام جماعة من المسلمين ليثبت كذب محمد، لكن أمر الله كان قدرا مقدرا، وهكذا مات أبو لهب على ملة الكفر ودفنت زوجته “أم جميل” على إلحادها وسيكون جزاؤهما نارا ذات لهب.

وانظر إلى قوله تعالى: “سيهزم الجمع ويولون الدبر” (سورة القمر، الآية 45) فهذه الآية مكية ونزلت في المسلمين وهم قلة إلى درجة أن عمر بن الخطاب قال: أي جمع هذا الذي سيهزم ونحن لا نستطيع أن نحمي أنفسنا؟! ومع ذلك دار الزمان دورته على كفار قريش حيث عاد الرسول صلى الله عليه وسلم ليدخل مكة دخول الأبطال مصداقا لعهد الله “لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق. لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين” (سورة الفتح، الآية 27).

الوليد بن المغيرة العدو الألد للإسلام قال له القرآن (سنسمه على الخرطوم) أي سيقتل بضربة على أنفه، ويأتي يوم بدر فتراه وقد ضرب على أنفه.

ويتنبأ القرآن بنتيجة معركة ستحدث بين الروم والفرس بعد بضع سنين في قوله تعالى “ألم غلبت الروم في أدنى الأرض. وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد” (سورة الروم، الآيات 1-3) وبضع في اللغة العربية تعني من ثلاث سنوات إلى تسع.

أجل هزمت الروم ولكنها -بعد سبع سنوات- عادت لتنتقم من الفرس وتحقق نصرا بشرها به القرآن. فكيف يستطيع بشر المراهنة على ما سيحدث غدا فبالأحرى التدقيق في وصف حادث لن يحدث إلا بعد سبع سنين؟!

فالإسلام يعلمنا على انه “وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت” (سورة لقمان، الآية 33).

فالله هو العليم الخبير القادر على أن يقول للشيء كن فيكون، ولذلك فهو وحده القادر على قول الحق في الزمان كله ماضيه وحاضره ومستقبله القريب والبعيد. وإن دل هذا على شيء فعلى أن الأجيال القادمة كذلك ستكشف الجديد بالقرآن وستعيد قراءته انطلاقا من اجتهاداتها ومما وصلت إليه عقول علمائها. فالعلم نهر صغير يصب في بحر الإيمان، والعلماء ورثة الأنبياء، لأنهم يبحثون عن الحق ويقودون الناس إلى العلم بالله ولذلك قال ربنا في حقهم “إنما يخشى الله من عباده العلماء” (سورة فاطر) وهؤلاء يعلمون علم اليقين أن محمدا بن عبد الله ليس إلا بشرا رسولا وقد برأه الله تعالى بأسلوب جامع مانع “وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون” (سورة العنكبوت، الآية 48).

فالعلماء الحقيقيون يخوضون في أبحاثهم المتعلقة بخلق الله من إنسان وحيوان ونبات وجماد وكون، انطلاقا من قوله تعالى “ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك” (سورة آل عمران، الآية 191)؛ أما المتعيلمون والمتفيقهون فيتبعون ما تشابه من القرآن لأغراض مبيتة في أنفسهم، ومنهم من لا يعرف الإسلام إلا عن طريق منح المرأة نصف حق الذكر في الميراث دون أن يكلف نفسه عناء مساءلة العلماء المختصين عملا بقول الله عز وجل “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” (سورة الأنبياء، الآية 7)، فهؤلاء لا يعلمون ولا يدرون أنهم لا يعلمون وتلك الطامة الكبرى.

ومن أبرز ما أخبر القرآن به وعد الله المؤمنين بالغلبة والكفار بالنار. قال تعالى “قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد” (سورة آل عمران، الآية 12) فصدق فيهم.

وقد ذكر صاحب “إعجاز القرآن” أن الإخبار عن الغيوب لا يقدر عليه البشر ولا سبيل إليه4، ومن ذلك ما وعد الله تعالى نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان، بقوله عز وجل: “هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون” (سورة الصف، الآية 9) ففعل ذلك؛ ثم يضيف بأنه كان معلوما من حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان أميا لا يكتب ولا يحسن القراءة وكذلك كان معروفا من حاله أنه لم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم، ثم أتى بجملة ما وقع وحدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير، من حين خلق الله آدم عليه السلام إلى حين مبعثه. واتهام الرسول بأنه نقل أساطير الأولين “وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا” (سورة الفرقان، الآية 4 و5) ليس وليد اليوم، أو حتى عصره صلى الله عليه وسلم بل هي أفكار روج لها المناوئون للأديان عبر العصور الغابرة والماضية والحاضرة اعتمادا على نيات إلحادية.

ويقول :توينبي: على لسان “سعيد جودت”5: انطلاقات جديدة في الحياة الروحية من عام 600 ق م – 480 ق.م في فترة لا تتجاوز 120 سنة فقط ظهر خمسة من كبار الحكماء في العالم القديم وهم:

  • زرادشت: أعماله تمت في السنوات المبكرة من القرن السادس قبل الميلاد.
  • أشعيا الثاني: عاصر قورش الذي سمح بعودة اليهود من بابل وكان ذلك سنة 539 ق.م.
  • بوذا: عاش نحو 567 -487 ق.م نشاطه كان في بيهار بالهند.
  • كونفو شيوس: عاش نحو 551 – 479 ق.م موطنه الصين.
  • فيثاغورت: معاصر لبوذا تقريبا ولد في جزيرة ساموس.

ولا يزالون حتى اليوم يؤثرون في الإنسانية مباشرة أكثر من أي كائن بشري حي، وذلك أنهم رفضوا عبادة الطبيعة وعبادة الإنسان ودفعوا أتباعهم إلى الاعتقاد بأن الموت ليس نهاية الحياة.

ومن ثم تغيرت رؤية الحقيقة وتبدل السلوك البشري، بشكل لا يمكن الرجوع عنه.

هذه الأفكار “لتوينبي” فيها كثير من السم في العسل، وسعيد جودت يذكرها في سياق الحديث عن تطور العقيدة والسلوك، وهو لا يؤيدها طبعا لأنها تشير إلى أن أشعيا هو أول موحد يهودي وأقدم الموحدين في أي مكان، وهي تشجيع ضمني على الإلحاد وعلى أن الإنسان هو الذي صنع الله، فلا شيء غير الطبيعة وفكرة البعث ما هي إلا بدعة إنسانية، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: “إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين” (سورة المؤمنون، الآية 37).

ونحن نعتقد أن الإسلام علمنا قول الحق والتفكير بالعقل، فإذا انطلقنا من المعطيات السابقة واعتبرنا “زرادشت” زعيما للأفكار الدينية وهو قد عاش تقريبا سنة 600 ق.م، وإذا أضفنا 600 سنة تلك هي 2000 بعد الميلاد نحصل على 2600 سنة. فهل هذا هو عمر الإنسان على وجه الأرض؟ أين نحن من نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما؟ أين ذكر النبي ادريس الذي رفعه الله مكانا عاليا؟ وهل تناسى الباحث إبراهيم أب الأنبياء؟ أم أن التعتيم والضلالة تفقد صاحبه صواب الحق؟

أيعلم توينبي وأمثاله عدد الرسل والأنبياء الذين بعثهم الله سبحانه لأقوامهم وأممهم؟ قال تعالى: “ولكل أمة رسول، فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون” (سورة يونس، الآية 47).

وقد بعث الله الرسل والأنبياء إلى البشر لكي لا يتذرع أحد بذريعة الجهل بالدين فتكون له حجة امام الله: “لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل” (سورة النساء، الآية 164) لهذا لم تخل أمة من نذير “وإن من أمة إلا خلا فيها نذيرّ (سورة فاطر، الآية 24). كل هذا لأن الله هو العدل وهو الحق الذي لا يظلم الناس “وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون” (سورة هود، الآية 117).

ونستمر مع القرآن في تحدي المنافقين والكافرين للكشف عن خبايا المستقبل. قال تعالى: “يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم، ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى، ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم، ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا” (سورة الحج، الآية 5).

فهل محمد صلى الله عليه وسلم كان متخصصا في علم الأجنة حتى يصف هذا الوصف الدقيق تطورات الخلق والجنين والذي كان الأطباء يجهلونه إلى حين اكتشاف المجهر الإلكتروني والرنين المغناطيسي والأشعة السينية والفحص بالموجات فوق الصوتية وتطور علم التشريح. بقي أن نشير إلى أن استعمال “ثم” جاء معبرا لأنها أسلوب للتراخي يدل على المراحل التي عرفها الإنسان منذ خلقه إلى حدود الإشراف على حتفه.

وكان القرآن أكثر دقة حينما جزم وحسم في خلق الإنسان “ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين” (سورة المؤمنون، الآية 12) أي من نوع محدد من التراب الممزوج بالماء، وهو ما زكاه القرآن في سورة أخرى “ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون” (سورة الحجر، الآية 26).

 والعلم الحديث يؤكد أن أعضاء الإنسان وخلاياه تتكون من مكونات التراب: (مغنزيوم، كالسيوم، حديد…) وكان لابد من انتظار نتائج أبحاث وكالة الفضاء الأمريكية “تاما” لتكشف لنا أن هذا النوع المشار إليه تتوفر فيه شروط الحياة، فهو يحتوي على أحماض أمينية وبروتينات ومعادن وعنها قد تتفرع كائنات حية، على كل حال ما يهمنا أن نبوءة القرآن تحققت ولو بعد مئات السنين.

كل هذا يحدث في غياب علماء مسلمين يتميزون بالقوة والأمانة، وسيطرة مثقفين عرب رضعوا من ثدي الاستعمار الغربي فأصيبوا بالفصام والنكوص فتراهم يرددون أقوالا دون سند علمي ويهاجمون كل من خالفهم أفكارهم “التقدمية” ولا يسمحون للشعوب المسلمة بالتعبيرعن آرائها لأنهم لا يؤمنون بالآخر؛ وينعتون كل من يخالفهم بالرجعية والتخلف، وقد نجحوا في استمالة بعض الشباب الذي يردد الأقوال بدون إعمال العقل، هذا مع العلم أن جل شباب اليوم معجب بالإسلام نهجا وأمنا وصراطا مستقيما، ولو أتيحت لأبناء الأمة الإسلامية فرصة الإدلاء بآرائهم حول مصير بلدانهم لما تردد الجل في الاجتماع على كلمة سواء وهي الاختيار الطوعي للشريعة والالتزام بمبادئها لأن الإسلام هو حياة متجددة تصلح للألفية الثالثة والعاشرة والمائة.

ولنقف للحظات معدودة مع الدكتور ادريس خليل عضو أكاديمية المملكة المغربية وهو يتحدث أمام الملك الراحل الحسن الثاني خلال شهر رمضان 1407هـ في إطار سلسلة الدروس الحسنية عن مفهوم الزمان بين الحقيقة والمعرفة الإنسانية انطلاقا من قوله عز وجل6: “الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام” (سورة السجدة، الأية 34)

“يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون” (سورة السجدة، الآية 4) “ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون” (سورة الحج، الآية 45). “تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة” (سورة المعارج، الآية 4). يقول الأستاذ المحاضر إن هذه الآيات تدل دلالة واضحة على نسبية الزمان، وعلى أن الزمان بالنسبة للمتنقلين بين السماء والأرض يتأثر بسرعة ذلك المتنقل فإنها تبين بأن من يتنقل بين السماء والأرض بسرعة ما، يكون تسلسل الزمان عنده أقل من تسلسل الزمان على الأرض.

وهذا المعنى يجد التفسير الواضح والمنطقي في إطار العلم الحديث، انطلاقا من نظرية النسبية وقد جاء في هذا السياق بمثال مشهور، أطلق عليه العلماء اسم مفارقة التوأمين: عمرو وزيد توأمان افتراضا. فلما بلغا أشدهما امتطى “عمرو” مركبة فضائية تسير بسرعة فائقة تقترب من سرعة الضوء، وبداخلها ساعة من ساعاتنا، فبينما هي سائرة بهذه السرعة الفائقة، إذا “بزيد” الذي لم يغادر الأرض يشاهد هذه المركبة وكأن كل شيء بداخلها يمر ببطء كبير، بينما عمرو الذي يوجد بداخل المركبة، لا يلاحظ أي شيء من هذا القبيل، ولا يشعر بأي تغيير في حركاته وسكناته، بل كل شيء لديه عادي، فبعد قطعه لمسافة تقدر ببعض الآلاف من الملايير من الكيلومترات ورجوعه إلى الأرض، يلاحظ أنه مر على الأرض، وبتوقيت ساعة الأرض، مرت عليها مائة سنة، بينما لم تشير ساعته إلا إلى مرور ثلاثة أشهر فقط.

هذا المثال هو تبسيط لنظرية النسبية التي أكدت صحتها مختلف التجارب العلمية التي قام بها العلماء داخل المختبرات وخارجها، كما تزكيها الدلائل النظرية القاطعة.

طبعا لو قلت هذا الكلام لعالم القرن الثامن عشر لما صدقك، فما بالك بمن سبق من الأمم؟

فهل محمد بن عبد الله كان عالما مختصا وفي الجزيرة العربية التي لا تتوفر على مختبرات ولا معامل كيميائية؟ ولم يكتب التاريخ آنذاك أنها أنجبت أمينا مثل رسول الله الذي كان سباقا إلى الكشف عن هذه المعطيات بفضل الله وعلمه جل وعلا وهو الذي قال: “وأنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما” (سورة النساء، الآية 112).

ولنتأمل قوله تعالى في سورة الزمر الآية 5 “خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار”، ومعناه أنه إذا كان لما خلقه الله بداية كانت له نهاية وهو تأييد صريح إلى ما ذهب إليه “كارتر” حول نهاية الكون المحتملة.

والسماء في اللغة انبثقت من فعل “سما، يسمو” بمعنى علا، إذن فكل ما علا يدخل في السماء، وهناك سبع سماوات أي سبع طبقات، والقوانين الأرضية مخالفة للقوانين السماوية ومن ذلك المثال السابق الذي جاءت به نسبية الزمان.

إن بعض “المفكرين” العرب يعتقدون أن اسم الكون هو الاسم العصري، وأن تسمية الإسلام للكون بالسماوات والأرض دليل على تخلف نظرته إلى حقيقة الأمور إن هؤلاء لا يعلمون أن القرآن الكريم لا يعني بالسماء طبقة مسطحة زرقاء. كما يعتقد العامة، بل كل ما علا عن الأرض، والعلو درجات.

والعلم لايزال يجهل الكثير عن الكواكب السحيقة الخارجة عن درب التبانة وعن المجرات الأخرى، والإنسان كلما ارتفع نقصت كمية الأكسجين في الغلاف الجوي، وإلى هذا يشير ربنا الكريم في قوله تعالى المعجز “ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء” (سورة الأنعام، الآية 126) فمصاعب الصعود تتلخص في وجود قوة الجذب الأرضي التي تشد إلى الأسفل، وتناقص كمية لأكسجين بالهواء الجوي بسبب ثقل كثافة غاز الأكسجين وازدياد الضغط الجوي7.

ونعود لنبين، ودائما في إطار الحديث عن الغيب، أن نظرة الإسلام كانت دائما متقدمة، لأننا أولا لا يمكن مقارنة رب العالمين الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ببشر يصيب ويخطئ وبنظريات علمية قابلة للاهتزاز في أية لحظة، وثانيا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن ينطق عن الهوى بل هو وحي كذلك بدليل قوله تعالى: “وأنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم” (سورة النساء، الآية 112).

والكتاب هو القرآن الكريم، والحكمة هي السنة النبوية الشريفة وهو ما أشار إليه الرسول الأمين بقوله: “أوتيت القرآن ومثله معه”، وما يحيل على هذا المنطق العلمي أن القرآن الكريم لم يفصل في الوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج، وإنما ترك ذلك لممارسة الرسول الكريم جتى يترسخ الفكر والعمل دفعة واحدة في سلوكات المسلمين وفي هذا يقول الله تعالى: “وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا” (سورة الحشر، الآية 7)، ويرفع من شأن الرسول الآدمي بقوله “من يطع الرسول فقد أطاع الله” فعالم السماء يختلف عن عالم الأرض بدليل تناقص الأكسجين في أجواء السماء وانعدام الجاذبية وبطء الزمان هناك، بل تختلف الأمور من سماء إلى أخرى، قال تعالى: “وأوحى في كل سماء أمرها” (سورة فصلت الآية 12)، والله تعالى لا يمكن أن يحيلنا على الأسماء لأنها من اتفاق وتواضع البشر، فهل يجوز أن يقول لنا، إنني سأخلق سيارة أو أنني سأهدي العقل البشري إلى اختراع القطار والطائرة والمكوك الفضائي؟ لا طبعا لأن هذا يدخل في اختصاص البشر، وإنما أشار إلى ذلك بصيغ أخرى كقوله: “ويخلق ما لا تعلمون” (سورة النحل، الآية 8) أو قوله: “يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان” (سورة الرحمان، الآية 33).

وهل هناك سلطان أقوى من العلم؟ كما ذكر الله بحادث الإسراء والمعراج كترخيص منه للبشر باختراع الطائرة وهداية العقل وتوجيه الفكر نحو صنع سفن فضائية، ووجه سبحانه الإنسان إلى أن المناطق العالية عن الأرض وهي السماوات في اتساع بينما الأرض تنقص من أطرافها “والسماء بنيناها بأييد وإنا لموسعونّ (سورة الذاريات الآية 47) وقال أيضا: “أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها؟” (سورة الرعد، الآية 41). ولنفرض أن السماوات والأرض هي الكون، فهل الله ضمن هذا الكون؟.

طبعا فالله الذي خلق العالمين يبقى خارج هذه الأكوان. فالذي خلق السماوات والأرض كان عرشه على الماء قبل صنعها “أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما” (سورة الأنبياء، الآية 30) هو القادر على إيجاد أكوان جديدة تسع الكون الحالي ومن عاش فيه ماضيا وحاضرا ومستقبلا من إنس وجن وطير ودابة، وهو ما عبر عنه الحق سبحانه “وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين” (سورة آل عمران، الآية 133).

وإلى هذا اهتدى العلماء خاصة علماء الكونيات الجدد حينما جزموا بأن ملاحظة الشيء من الداخل لا تعطي نظرة متكاملة عنه، وعليه فإن النظر إلى الكون لن يكون موضوعيا إلا من خارجه، ومن يستطيع أن يتجاوز هذا الكون أو هذه الأكوان إلا رب العالمين الذي كرم الإنسان بالعقل فإذا هو خصيم مبين؟!

فهل الرسول الأمي العربي محمد بن عبد الله كان عالما سابقا لعصره حتى يعلم كل هذا؟ قطعا لا، لأن هذا الرسول كان يعرف في قومه بالأمين، وهل يمكن أن يتحول أمين إلى كذاب؟ النبي كان أميا لم يسبق له أن تعلم القراءة والكتابة، وهذه المعجزة تحتاج إلى بحوث لنستو فيها حقها، ولم يكن محمد بن عبد الله أبا أحد من رجال قريش أو من الجزيرة العربية بل إن جميع أولاده ماتوا قبله، ولم يكن له من الذكور سوى إبراهيم الذي مات في المهد صبيا، بل إن فاطمة الزهراء زوجة علي بن أبي طالب بكت كثيرا حزنا على رسول الله وهو قاب قوسين أو أدنى من لقاء ربه، فبشرها بأنها أول أقربائه التحاقا به فكان لها ذلك بعد ستة أشهر فقط!!

فهل كانت الجن توحي زخرف القول إلى محمد بن عبد الله؟

الجواب، لا، قطعا لأن سليمان وهو بشر ظل ميتا لفترة دون أن تعلم الجن بذلك، قال تعالى: “فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين” (سورة سبأ، الآية 14).

“فما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته” (سورة سبأ، الآية 14).

ومعنى ذلك أن الجن لا تعلم الغيب، وحتى لو علمت الماضي فإنها لن تعلم المستقبل، إذن فكل خلق الله، بما في ذلك الملائكة، لا يعلم المستقبل بدليل قوله تعالى “قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله” (سورة النمل، الآية 65) وقوله “وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو” (سورة الأنعام، الآية 60).

فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب؟ إنه كباقي الرسل كان يوحى إليه أنه لا إله إلا الله تبعا لقول الله سبحانه “ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك” (سورة يوسف، الآية 102) ومصداقا لتأكيده عز من قائل “ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه، فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين” (سورة يونس، الآية 20).

ونختم هذا البحث بالدليل القاطع على أن الوحي من الله سبحانه وتعالى، لما أنزلت سورة النصر التي تقول: “إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا” (سورة النصر، الآية 1-3).

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: “ما أراه إلا حضور أجلي” ولهذا تسمى هذه السورة التي لم يعش بعدها النبي إلا حوالي الثمانين يوما بسورة “التوديع”8، فهل يعقل أن يحدد بشر أجله ويعلم بدنو ساعة رحيله؟

وخلاصة القول إنه في ظل العولمة والنظام العالمي الجديد، لم يعد المنظرون يرون سوى المادة المتمثلة في المال والتكنولوجيا وحب السيطرة، وحتى خلق الإنسان ينظر إليه من زاوية مادية فقط. واللادينيون يتمسكون بالعلم كهدف وليس كوسيلة، يرون فيه المتعة للإنسان ذلك الذي سيمكنه من السيطرة على الطبيعة التي يعتقدونها تسير نفسها بنفسها حسب صدفة عمياء وحظ عشوائي ليس إلا والملحدون، في كل زمان ومكان، يتناقضون في استشهاداتهم، فمنهم من يرى بأن الله من صنع عقل الإنسان!! ومنهم من يقول: إن الله كان موجودا ولكنه قتل إثر مشاركته في إحدى الحروب الأرضية!! ومنهم من يستند في تهجماته على الدين؛ مستغلا أخطاء البشر في تفسير التوراة والإنجيل والتحريفات التي لحقتهما. وهناك فريق يؤمن بأن التوحيد حل محل الآلهة المتعددة التي عرفتها الشعوب الغابرة. لكن الكثرة الكثيرة من الذين في قلوبهم مرض تتجرأ على الإسلام عصارة الأديان لأنه الرسالة الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان بفعل قيمه العالية وتشجيعه للعلم والعلماء وفضحه المنافقين والمتلاعبين بمصائر الناس وتأييده للمظلومين، وتكريمه للوالدين، واهتمامه بالطفل قبل زواج أبيه من أمه “تخيروا لنطفكفم فإن العرق دساس،. وتركيزه على إدماج اليتيم والمحتاج في المجتمع… ودعوته إلى التواصل العالمي لأن الأصل واحد “ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” (سورة الحجرات، الآية 13)، وقوله “ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة” (سورة لقمان، الآية 28)، وقوله صلى الله عليه وسلم “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا” بل جعل حب المؤمن لأخيه ومساواته لما يحبه لنفسه من أركان الإيمان حين قال صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”، وصدق الله العظيم وهو يؤكد: “كتاب أنزلناه إليك مباركا ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب” (سورة ص، الآية 29).

فالإسلام دين عالمي يوحد الناس في مشارق الأرض ومغاربها “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” (سورة الأنبياء، الآية 106) والقرآن لسان الإسلام يقول “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” (سورة المائدة، الآية 3) وهذا دليل على أنه الرسالة الخالدة التي لن تخضع للأهواء والنزوات و”تطور المجتمعات”، فهي أوسع وأشمل لكل تلك التغييرات مادام الله سبحانه قد خصها بالبقاء والحفظ “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” (سورة الحجر، الآية 9)، ولن يندم المجرم والمنافق والملحد إلا وهم يتساءلون : “ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار، اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار” (سورة ص، الآية 68-69).

وبعد هذا العرض المتواضع نقول للذين في قلوبهم مرض من أبناء الأمة الإسلامية: ألم يان وقت توبتكم وعودتكم إلى صف المسلمين؟ أيها المتفيقهون والمتعيلمون عودوا إلى صفوف أمتكم، فجنودها ينتظرونكم لتسليمكم القيادة، قيادة الدفاع عنها، وعن قيمها وتراثها.

وإذا استطعتم أن تتوبوا إلى الله لتكفروا عن زلاتكم فإننا سنصفكم مع العلماء، الذين يصرون عن الهفوة وهم يعلمون فالعلماء يخشون الله وهم ورثة  الأنبياء، ونحن في أمس الحاجة إلى جميع مفكرينا وكتابنا وعلمائنا ومبدعينا للوقوف صفا واحدا ضد من يريد قتل روحنا فينا ونحن نصفق له باسم الاشتراكية والشيوعية والرأسمالية المتوحشة والعولمة، فالسلطة تتحول شطر غلبة سلطان المعرفة ولكنها لا تعدو أن تكون قد أجرت ضربا من التحول في بنيتها، إذ انقلت السلطة القائمة دوما على المعرفة والثروة والعنف إلى القابضين على المعرفة، وجعلت منهم يوما بعد يوم مالكي الثروة والعنف إلى جانب امتلاكهم المعرفة، فالاستعمار استعمار في كل زمان ومكان وإن غير لونه كالحرباء، وأهداف الاستعمار واحدة وتتلخص في السيطرة بالعلم والمال ووسائل الاتصال والتكنولوجيا، فإذا فشل في ذلك تذرع بذرائع أخرى كمحاربة الإرهاب وحماية حقوق الإنسان، وحماية الأسرة، وتحريض الطفل على الأب، والدفاع عن تجمعات الشواذ وسلخ الإنسان من قيمه وتراثه بدعوى عالمية القرية الكونية وخلق نموذج جديد لإنسان عالمي عملاق يسيطر على الكون مستقبلا بعد زرع الباكتيريا على سطح كواكب أخرى. وبعد التحكم في الشفرة الوراثية، وإجازة الاستنساخ!!

والمسلم الحقيقي ليس جامدا ولا جاحدا طبعا، بل هو يؤمن بالتواصل والمعرفة، ويحلم بالتقدم العلمي والتكنولوجي، ولكن ليس على حساب ذاته، وصدق الله العظيم إذ يقول: “ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل إن هدى الله هو الهدى” (سورة البقرة، الآية 120).

إننا في نهاية هذا البحث المتواضع نحس بأننا ننقب في العلم بالعلم، ونحن مقتنعون ومؤمنون بقوله عز وجل “وما أوتيتم من العلم إلا قليلا” (سورة الإسراء، الآية 53). رغم أن هذا العلم قد جعل الملحد والمادي يشعران بسيطرتهما على الكون وقيادتهما له، وهما لا يعلمان أننا لا ندرك إلا بعض الحقيقة وليس الحقيقة كلها بشهادة العلماء جميعا، ويكفي أن نستدل في هذا المجال بقوله تعالى “ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون” (سورة الحجر، الآية 14 و15).

وإذا سلمنا بأن غيب القرآن قد تحقق ماضيا وحاضرا فإننا موقنون أنه سيتحقق مستقبلا من خلال الموت والزلزلة والنفخ في الصور والعودة إلى الحياة والحساب ودخول الجنة أو النار…وإذا كان الله سبحانه يحب أن يعبد عن علم وليس عن جهل، فإننا ندعو علماء أمتنا من مختلف التخصصات أينما وجدوا وحيثما تيسرت لهم فرص العمل أن يبحثوا في أقوال الله الصادقة:

  • (وكأين من أية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون” (سورة يوسف، الآية 105) كإشارة إلى أن العلم والبحث الدقيق هما مفتاحا المعرفة الحقيقية.
  • الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام” (سورة الفرقان، الآية 59): مؤشر على بداية الأكوان الحالية.
  • “يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب” (سورة الأنبياء، الآية 104): نهاية الأكوان الراهنة.
  • يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات” (سورة إبراهيم، من الآية 50): نهاية الكون الظاهر وظهور كون جديد.
  • “ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون”، والجان خلقناه من قبل من نار السموم” (سورة الحجر، الآية 26/27): أسبقية الجن إلى الحياة مع اختلاف مادة الخلق.
  • “إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا” ((سورة فاطر، الآية 41): قوانين سير الكون والمحافظة على توازنه.
  • “ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون” (سورة يس، الآية 50): إحياء الموتى.
  • “الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير” (سورة فاطر، الآية 1): خلق متطور بإذن الله في شكل نوراني.
  • “قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون” (سورة السجدة، الآية 11): المراقبة بتكنولوجية جد عالية.
  • “لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا” (سورة الإنسان، الآية 13): اندثار الأكوان الحالية وظهور أخرى مغايرة.
  • “وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا؟ قالوا أنطقنا الله الذي انطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون. وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعلمون” (سورة فصلت، الآية 21 و22): النشأة الأخيرة للإنسان وهي جد متطورة ومركبة على أساس أن كل حاسة أو عضو أو خلية تنبض بالحقيقة تلقائيا.
  • “ونزعنا ما في صدورهم من غل، إخوانا على سرر متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين” (سورة الحجر، الآية 27-28): الإنسان الحسود التعبان يصبح مشكلا بطريقة أخرى.

وكل ذلك مصداقا لقوله تعالى: “سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق” (سورة فصلت، الآية 53).

وقوله تعالى “إن هو إلا ذكر للعالمين، ولتعلمن نبأه بعد حين” (سورة ص، الآية 87-88).

وأستغفر الله لي ولسائر المسلمين والمسلمات ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

عدد القراء: 1٬050 | قراء اليوم: 34

2 تعليقان

  1. للاخديجة / مراكش

    للاخديجة / مراكش
    شكرا للمربية مريم على تألقها
    هذا المستوى يفصح عن جوهر صاحبته الطيبة معرفيا وأخلاقيا وتربويا.
    كتاباتك مقنعة إلى أبعد الحدود، الملاحدة خاسئون، العصاة فاشلون، أما الظالمون والمنافقون فلهم عذاب الضعف إن شاء الله لأنهم سبب جمود إدارتنا التي تفضل الميت على الحي.

  2. شيماء / ابزو
    طوبى لك وتحية لأبيك أستاذنا
    ما أروع أن أقرأ مثل مقال الأخت مريم الذي أعاد الأمن والأمان إلى كل نفس متمردة معذبة. أما ما قيل عن ولوجك “الدكتوراه” فأنت تستحقينها دون شفيع ولا مساعد. وأعتقد أن الله سبحانه سينصفك هذه المرة، وسينصرك على مغاليق الخير، مفاتيح الشر المتربصين بإدارات وكراسي الكليات والجامعات.
    وهذه شهادة لله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وشكرا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*